رغم الهدنة، تبقى إسرائيل مسيطرة على أكثر من نصف القطاع بينما يتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية

بعد أكثر من عامين من إراقة الدماء، يجد قطاع غزة نفسه أمام مفارقة قاسية: وقف لإطلاق النار دون سلام حقيقي، وهدنة لا تُفضي إلى أفق سياسي. فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي، تراجعت حدة المواجهات العسكرية الضارية، وعادت معظم الرهائن إلى ذويهم، وازداد تدفق المساعدات الإنسانية. لكن المرحلة الثانية من الاتفاق لم تتحقق بعد.

الواقع العسكري على الأرض


تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الكاملة على أكثر من نصف قطاع غزة، مع حرية عمليات مطلقة في جميع أنحاء القطاع. وتستمر قوات الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات قصف وغارات جوية، وإن كانت بوتيرة أقل بكثير مما كانت عليه قبل الهدنة. فقد سُجّلت أكثر من ٣٢٠ عملية قصف وغارات جوية خلال شهر ديسمبر وحده، غير أن عدد الضحايا انخفض إلى أقل من نصف ما كان عليه في الشهر السابق.

 "الخط الأصفر" الذي رسمته إسرائيل يُقسّم القطاع فعلياً إلى منطقتين: واحدة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وأخرى يُطلق عليها البعض تسمية "حماستان المُصغّرة". هذا التقسيم يُرسّخ واقعاً جديداً على الأرض، حيث أشار محللون إلى أن إسرائيل وحماس على حدٍّ سواء تبدوان أكثر ارتياحاً للوضع الراهن من المخاطر والضغوط التي يفرضها تغييره.

الوضع الإنساني


تجاوز عدد الضحايا الذين سقطوا منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ سبعين ألف شخص، فيما قُتل نحو ٤٠٠ آخرين منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. ورغم تحسّن وصول المساعدات الإنسانية، إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب. ويُنذر قرار الحكومة الإسرائيلية بإدراج منظمات الإغاثة الدولية على القائمة السوداء اعتباراً من مطلع يناير بتفاقم معاناة سكان غزة الذين يكافحون للنجاة من برد الشتاء ورطوبته في خيام واهية.

الدمار الهائل في البنية التحتية والمساكن يجعل من إعادة الإعمار مهمة شاقة تحتاج إلى سنوات طويلة، هذا إن توفرت الإرادة السياسية والموارد اللازمة لذلك.

الطريق المسدود سياسياً


تبقى خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبتمبر ٢٠٢٥ عالقة في مرحلتها الأولى. فقد أعادت حماس جميع الرهائن، أحياءً وأمواتاً، باستثناء رفات أحدهم الذي لا يزال مكانه مجهولاً تحت الأنقاض وفق ما تقول الحركة. لكن الانتقال إلى المرحلة الثانية يبدو بعيد المنال.

يُصرّ ترامب على أن نزع سلاح حماس يظل الأولوية القصوى، دون أن يُقدّم رؤية واضحة لكيفية تحقيق ذلك. وفي الوقت ذاته، تبرز تركيا كلاعب محتمل في ترتيبات أمن غزة، في مؤشر على تحولات إقليمية قد تُعيد رسم خريطة النفوذ.

الضفة الغربية: الأزمة الموازية


بينما تتركز الأنظار على غزة، يتدهور الوضع في الضفة الغربية بشكل متسارع. فالسلطة الفلسطينية تخطو خطوات متواضعة نحو الإصلاح، لكن استمرار القيادة ذاتها يُفرغ هذه الجهود من معناها. وتُضعف السياسات الإسرائيلية—من توسيع الاستيطان وإقامة البؤر الاستيطانية والتساهل مع عنف المستوطنين—ما تبقى من مصداقية السلطة الفلسطينية المتآكلة أصلاً.

تحظى حماس بشعبية متصاعدة في الضفة الغربية، مدفوعةً بالإحباط الشعبي من غياب أي أفق لحل سياسي. ويُحذّر مراقبون من أن احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة يظل قائماً، وأن عام ٢٠٢٦ سيشهد مزيداً من الاستيطان والعنف والخطوات نحو الضم الفعلي.

واقع الدول الأربع


يصف محللون الوضع الراهن بـ"واقع الدول الأربع": منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية المتزايدة في جزء من الضفة الغربية، ومنطقة ذات سيطرة فلسطينية منقوصة في جزء آخر، و"المنطقة الصفراء" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة، و"حماستان" في بقية القطاع.

من أبرز نقاط الضعف في استراتيجية إدارة ترامب عدم استعدادها حتى لمحاولة كبح السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية. فالاعتراض الشفهي على الضم لا معنى له حين تسير السياسات الإسرائيلية، بلا هوادة على ما يبدو، نحو تحقيقه فعلياً.

ما الذي ينتظر المنطقة؟


 "هل يمكن لأي شيء في عام ٢٠٢٦ أن يُنقذ الإنجازات الهشة ويحول دون استئناف الصراع في هذه المنطقة المضطربة؟ الرهان الآمن، للأسف، هو 'لا'." هكذا يُلخّص أحد المحللين المشهد. فالحديث لا يدور عن تحولات جذرية، بل عن إدارة الأزمات والتخفيف من حدتها وتحقيق مكاسب تدريجية إن أمكن.

قد يطمح ترامب إلى السلام والتطبيع بين إسرائيل والعالم العربي. لكن حتى الحفاظ على الوضع الراهن يتطلب درجة من الاهتمام والمهارة نادراً ما أظهرتها هذه الإدارة. وفي غياب تغيير سياسي جذري—في إسرائيل أو إيران أو الولايات المتحدة—يبقى الأفق قاتماً، والجمود سيد الموقف.