يظل الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق، حيث يهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد. وعلى الرغم من بعض التحسينات الأخيرة، إلا أن الفساد لا يزال متجذرًا بعمق في المؤسسات الحكومية ويؤثر على حياة المواطنين اليومية.
الوضع الحالي (2024-2025)
احتل العراق المرتبة 140 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2024، بدرجة 26 من 100. ويمثل هذا تحسنًا ملحوظًا بمقدار 14 مرتبة عن العام السابق، مما يعكس جهود الإصلاح الأخيرة في ظل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
ومع ذلك، يبقى الوضع حرجًا، حيث يرتبط الفساد بالاستبداد والسيطرة شبه المطلقة من قبل القادة السياسيين الذين يستفيدون من توجيه الثروات إلى جيوبهم الخاصة، مع قمع أي معارضة للحفاظ على السلطة.
حجم المشكلة المالية
الخسائر المالية الناجمة عن الفساد مذهلة. في عام 2021، صرح الرئيس برهم صالح بأن 150 مليار دولار من عائدات النفط قد سُرقت وهُربت من العراق في صفقات فاسدة منذ الغزو الأمريكي عام 2003. وفي عام 2023، ادعى رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي أن الفساد كلف العراق 600 مليار دولار بين عامي 2003 ومنتصف 2020.
يتفشى الفساد المستوطن بشكل خاص في قطاعي النفط والغاز، اللذين لا يزالان يمثلان أكثر من 99% من صادرات البلاد و85% من ميزانية الحكومة. ويعمل الاقتصاد العراقي في الغالب كاقتصاد نقدي، مما يجعل من المستحيل تقريبًا تتبع المبالغ المالية أو مساراتها.
الفضائح الكبرى الأخيرة
"سرقة القرن"
في أكتوبر 2022، كشفت السلطات عن سرقة 2.5 مليار دولار من الهيئة العامة للضرائب من خلال 247 شيكًا احتياليًا صرفتها خمس شركات وهمية بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022. وحُكم على الشخصيات الرئيسية بما في ذلك رجل الأعمال نور زهير ومسؤولين سابقين، على الرغم من فرار الكثيرين إلى الخارج وتمت محاكمتهم غيابيًا.
فضيحة فساد السكك الحديدية
في عام 2024، كشف القاضي حيدر حنون عن فضيحة فساد بقيمة 18 مليار دولار تتعلق بهدر مالي ضخم في عقد نظام السكك الحديدية العراقي، مما أثار انتقادات واسعة حول قدرة الحكومة على مكافحة الفساد المنهجي.
سرقة النظام المصرفي
في صيف 2022، كشفت هيئة مكافحة الفساد عن سرقة 700 مليون دولار من البنوك الحكومية العراقية من خلال احتيال تسبب في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في الأنظمة المصرفية الحكومية.
المشاكل المنهجية
يحافظ القادة السياسيون على سيطرة شبه مطلقة، ويقمعون المعارضة، ويظهرون فقدانًا للزخم في جهود مكافحة الفساد، مما يقلل من ثقة الجمهور. وعلى الرغم من اعتماد استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد وقوانين، إلا أن التنفيذ قد تقوض بسبب التدخل السياسي المؤسسي، ونقص القدرات المؤسسية، والحوكمة غير الشفافة.
تتضمن عمليات الشراء بشكل متكرر عقودًا مبالغًا فيها ورشاوى سياسية لتمويل الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة، في حين تفتقر هيئات الرقابة مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية إلى سلطة الإنفاذ. أكثر من 70% من القضايا المتعلقة بالفساد يتم رفضها أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى بسبب الضغط السياسي.
التأثير على الحياة اليومية
الفساد الصغير متجذر بعمق في المجتمع العراقي، ويُعتبر عقبة رئيسية أمام ممارسة الأعمال التجارية. يعتبر ما يقرب من 60% من قطاع الأعمال في العراق الفساد عائقًا كبيرًا أمام النمو الاقتصادي، حيث تعد الرشوة ممارسة شائعة في المعاملات الحكومية.
في قطاع البناء ببغداد، يتلقى المسؤولون العموميون رشاوى من المطورين الذين يخالفون قوانين البناء، مع وصول جزء بسيط فقط من الغرامات إلى خزينة الدولة. وقد أظهرت دراسة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 72% من المواطنين العراقيين يعتبرون الفساد أكبر تحدٍ يواجه البلاد، متجاوزًا حتى المخاوف الأمنية.
جهود الإصلاح الأخيرة
أظهرت المحكمة الجنائية المركزية لمكافحة الفساد بعض التقدم، مع ارتفاع في ملاحقة كبار المسؤولين بما في ذلك أعضاء البرلمان والوزراء والمحافظين، مما يدل على موقف أكثر حزمًا بشأن المساءلة. وفي نوفمبر 2022، أعلن رئيس الوزراء السوداني عن إنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد لتسريع التحقيق في ملفات الفساد الكبرى.
ومع ذلك، تستمر التحديات. تواجه هيئات الرقابة في العراق نقصًا مزمنًا في الموارد والتأثير السياسي، مما يضعف قدرتها على تنفيذ ولاياتها، في حين أن دور المجتمع المدني في مراقبة جهود مكافحة الفساد يتراوح بين المقيد بشدة إلى غير الموجود.
السياق التاريخي
يمكن تتبع الصراع مع الفساد في القطاع العام إلى سياسات إعادة الإعمار في عصر الاحتلال بعد غزو 2003، عندما نثرت الولايات المتحدة أموالاً غير منظمة وغير مراقبة على المشاريع، مما أطلق العنان للطمع والمال السهل على كل مستوى حكومي تقريبًا.
لقد أضفى النظام السياسي القائم على تقاسم السلطة وشبكات المحسوبية الطابع المؤسسي على الفساد حيث تقسم الأحزاب السياسية السلطة والموارد فيما بينها. وعلى مدار العقدين الماضيين، منذ سقوط نظام صدام حسين، فشلت محاولات الإصلاح المتعددة في معالجة الأسباب الجذرية للفساد المنهجي.
الخاتمة
يظل الفساد أخطر تحدي حوكمة في العراق، حيث يقوض التنمية الاقتصادية والخدمات العامة وثقة المواطنين في المؤسسات الحكومية. وعلى الرغم من بعض التحسينات الأخيرة في التصنيفات الدولية، إلا أن المعركة ضد الفساد المستوطن تتطلب إرادة سياسية مستدامة، وإصلاحات مؤسسية عميقة، ومشاركة فعالة من المجتمع المدني والمجتمع الدولي.
__________________________________________
المصادر
المصادر
١. منظمة الشفافية الدولية - مؤشر مدركات الفساد للعراق (2024)
٢. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي - تقرير مراقبة المحاكمات في إقليم كردستان العراق (2024-2025)
٣. الأمم المتحدة في العراق - تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التقدم في الملاحقات القضائية (فبراير 2025)
٤. ويكيبيديا - الفساد في العراق (محدث يونيو 2025)
٥. معهد بروكينجز - الفساد هو الإرث المنسي لغزو العراق (أبريل 2023)
٦. شبكة أخبار شفق - العراق يقفز إلى المرتبة 140 في الشفافية العالمية (فبراير 2025)
٧. شبكة أخبار شفق - متاهة الفساد في العراق: النفط والرشاوى والثقة المفقودة (مارس 2025)
٨. معهد واشنطن - مواجهة الضغوط المالية: نضال العراق من أجل الإصلاح قبل انتخابات 2025
٩. ذا سينشري فاونديشن - الفساد يخنق العراق (ديسمبر 2022)
١٠. تحالف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد - تقرير المجتمع المدني حول تنفيذ العراق (أغسطس 2025)