تصعيد أمريكي غير مسبوق في المنطقة مع عودة المالكي للواجهة السياسية

في تصعيد غير مسبوق للتوترات في الشرق الأوسط، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملته الضاغطة على كل من إيران والعراق، حيث أعلن عن نشر "أسطول ضخم" باتجاه الخليج وهدد بقطع كل أشكال الدعم الأمريكي للعراق في حال عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى منصبه. هذه التطورات تأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وعسكرية قد تغير موازين القوى بشكل جذري.

التهديد العسكري الأمريكي لإيران

أعلن الرئيس ترامب يوم الأربعاء 29 يناير 2026 أن "أسطولاً ضخماً" يتجه نحو إيران بقيادة حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، محذراً طهران من ضرورة إبرام اتفاق نووي وإلا فإن "الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير". وأكد ترامب في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي أن الأسطول يتحرك "بسرعة وقوة كبيرة، وحماس وهدف واضح".

الحشد العسكري الأمريكي

دخلت حاملة الطائرات Abraham Lincoln ومجموعتها القتالية المؤلفة من ثلاث سفن حربية إلى منطقة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) التي تشمل الشرق الأوسط يوم الاثنين. يضيف هذا الحشد حوالي 5000 جندي أمريكي إلى القوات الموجودة بالفعل في المنطقة والتي يبلغ عددها نحو 30,000 جندي منتشرين في قواعد متعددة.

وفقاً لتقارير صحيفة وول ستريت جورنال، يضغط ترامب على مساعديه لتقديم خيارات عسكرية "حاسمة" ضد إيران، تتراوح بين ضربات محدودة على أهداف للحرس الثوري الإيراني إلى سيناريوهات أوسع نطاقاً. وأفادت التقارير أن عملية جوية كبرى داخل إيران ستشمل على الأرجح طائرات التخفي مثل F-35 وقاذفات B-2، بالإضافة إلى غواصات مسلحة بصواريخ كروز.

السابقة العسكرية: ضربات يونيو 2025

ليست هذه المرة الأولى التي يأمر فيها ترامب بضربات ضد إيران. ففي يونيو 2025، شنت الولايات المتحدة غارات على ثلاثة مواقع نووية إيرانية في فوردو وناتانز وأصفهان، خلال حرب استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل. أسفرت تلك الضربات عن مقتل أكثر من 1000 إيراني، وفقاً للتقارير، ودمرت منشآت التخصيب النووي الإيرانية بشكل كبير.

الرد الإيراني المحتمل

صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران تمتلك الآن "استعداداً عسكرياً كبيراً وواسع النطاق" مقارنة بيونيو 2025. وحذرت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة من أن إيران "ستدافع عن نفسها وسترد كما لم تفعل من قبل" إذا تم دفعها إلى ذلك. وأضافت البعثة في بيان: "آخر مرة تورطت فيها الولايات المتحدة بحروب في أفغانستان والعراق، أهدرت أكثر من 7 تريليونات دولار وخسرت أكثر من 7000 حياة أمريكية".

أزمة العراق: المالكي بين الترشيح والتهديد الأمريكي

في تطور موازٍ، صعّد ترامب من تهديداته للعراق بشأن ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء للمرة الثالثة. ففي 27 يناير 2026، كتب ترامب على منصة Truth Social: "آخر مرة كان المالكي في السلطة، انحدرت البلاد إلى الفقر والفوضى الكاملة. يجب ألا يُسمح بحدوث ذلك مرة أخرى". وأضاف: "بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا تم انتخابه، فلن تساعد الولايات المتحدة الأمريكية العراق بعد الآن".

ترشيح الإطار التنسيقي

في 24 يناير 2026، رشح الإطار التنسيقي، وهو أكبر كتلة برلمانية شيعية في العراق، نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء بعد اجتماع موسع لقيادته. وجاء في بيان الإطار أن الترشيح تم بأغلبية الأصوات بعد نقاش معمق، مستنداً إلى "الخبرة السياسية والإدارية للمالكي، ودوره في إدارة الدولة".

المالكي، البالغ من العمر 75 عاماً، شغل منصب رئيس الوزراء من 2006 إلى 2014، وهي فترة شهدت اتهامات واسعة بالفساد والطائفية وتزايد التوتر مع الولايات المتحدة. اضطر للاستقالة عام 2014 بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مناطق واسعة من البلاد، لكنه ظل لاعباً سياسياً مؤثراً يقود ائتلاف دولة القانون ويحافظ على علاقات وثيقة مع فصائل مدعومة من إيران.

رد المالكي الحاسم

رد المالكي يوم الأربعاء بنبرة متحدية، قائلاً في بيان: 
في تطور آخر، أجل البرلمان العراقي جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المقررة يوم الثلاثاء 28 يناير بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني وخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) حول مرشحهما للمنصب. حضر الجلسة 85 نائباً فقط من أصل 222 نائباً مطلوبين لاكتمال النصاب، ولم يتم تحديد موعد بديل للجلسة.

وفقاً للنظام الطائفي في العراق، يذهب منصب رئيس الوزراء إلى شيعي، ورئاسة البرلمان إلى سني، والرئاسة الشرفية إلى كردي. بمجرد انتخاب الرئيس الجديد، سيكون لديه 15 يوماً لتكليف رئيس الوزراء، الذي من المتوقع على نطاق واسع أن يكون المالكي.

الضغط المالي الأمريكي على العراق

كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة هددت مسؤولين عراقيين بفرض عقوبات مالية تستهدف الدولة العراقية، بما في ذلك احتمال تقييد الوصول إلى عائدات النفط الحيوية، إذا تم إدراج فصائل سياسية معينة مرتبطة بإيران في الحكومة المقبلة. ووفقاً لثلاثة مسؤولين عراقيين، تم تسليم الرسالة بشكل متكرر على مدى الشهرين الماضيين من قبل القائم بالأعمال الأمريكي جوشوا هاريس.

العراق، أحد أكبر منتجي النفط في منطقة غرب آسيا، يحتفظ بعائداته النفطية في حساب للبنك المركزي لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وقد فُرض على العراق إيداع جميع عائدات مبيعات النفط في حساب لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي منذ الغزو الأمريكي عام 2003. تمثل عائدات النفط حوالي 90% من الموازنة الوطنية العراقية، مما يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على بغداد.

في رسالة كتابية للإطار التنسيقي، قال القائم بالأعمال الأمريكي إن "اختيار رئيس الوزراء المكلف والمناصب القيادية الأخرى قرار عراقي سيادي، وبالمثل، ستتخذ الولايات المتحدة قراراتها السيادية فيما يتعلق بالحكومة القادمة وفقاً لمصالح الولايات المتحدة".

ردود الفعل الإقليمية

عبرت فصائل عراقية مسلحة مدعومة من إيران عن دعمها للمالكي. أبو علاء الولائي، قائد كتائب سيد الشهداء، وصف بيان ترامب بأنه "تدخل سافر في الشؤون العراقية"، مضيفاً أن "ترامب المجرم، الذي اغتال جسدياً قادة النصر، يريد الآن تكرار الفعل باغتيال المالكي سياسياً".

تشير الإشارة هنا إلى ضربة طائرة بدون طيار أمرها ترامب في يناير 2020 قتلت القائد العسكري الإيراني القوي الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، نائب قائد قوات الحشد الشعبي العراقية، بالقرب من مطار بغداد.

من جهتها، حذرت كتائب حزب الله العراقية من "حرب شاملة" إذا تعرضت إيران لهجوم أمريكي جديد، مما يعكس مدى الترابط بين الملفين العراقي والإيراني والتعقيدات التي تواجه السياسة الأمريكية في المنطقة.

خلاصة

تشير التطورات الأخيرة إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط من خلال سياسة الضغط الأقصى على الحلفاء التقليديين لإيران. التهديدات العسكرية ضد طهران والضغوط المالية على بغداد تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.

مع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى محل شك. رد المالكي الحاسم على التهديدات الأمريكية، وتحذيرات إيران من الرد "كما لم تفعل من قبل"، وتعقيدات العملية السياسية العراقية، كلها عوامل تشير إلى أن المنطقة قد تشهد مزيداً من التصعيد قبل أن تستقر الأوضاع.

في الوقت الحالي، يبقى الوضع في المنطقة متوتراً على كلا الجبهتين، مع استمرار الحشد العسكري الأمريكي باتجاه الخليج وتعثر العملية السياسية العراقية وسط ضغوط أمريكية غير مسبوقة. وبينما تستعد إيران لاحتمال هجوم أمريكي جديد، يواجه العراق معضلة صعبة بين سيادته الوطنية وعلاقاته مع حليفيه الرئيسيين: واشنطن وطهران.

___________________________________________
المصادر

 • الجزيرة الإنجليزية - تقارير متعددة حول التهديدات الأمريكية ورد المالكي

 • ABC News - تقارير حول الحشد العسكري الأمريكي والأسطول المتجه إلى الخليج

 • The Washington Post - تحليل للموقف السياسي العراقي والضغوط الأمريكية

 • The Irish Times - تفاصيل حول فترة المالكي السابقة وعلاقته بإيران

 • The National (الإمارات) - تغطية شاملة للتطورات العراقية والتهديدات الأمريكية

 • Press TV - ردود إيرانية وعراقية على التصريحات الأمريكية

 • Wall Street Journal - تحليل الخيارات العسكرية الأمريكية ضد إيران

 • وكالة الأنباء العراقية (INA) - تفاصيل تأجيل جلسة البرلمان وترشيح المالكي