تشهد اقتصادات الشرق الأوسط بداية قوية لعام ٢٠٢٦، مع توقعات متفائلة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بنمو يتجاوز المعدل العالمي. وبينما تواصل دول الخليج مسيرة التنويع الاقتصادي، تعود قناة السويس تدريجياً إلى الحياة بعد عامين من الاضطرابات بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
أفق مدينة دبي مع ناطحات السحاب
توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى ٣.٩٪ في ٢٠٢٦، بزيادة ٠.١ نقطة مئوية عن تقديراته السابقة في أكتوبر. ويُتوقع أن يصل النمو الإجمالي إلى ٤٪ في ٢٠٢٧، مدعوماً بارتفاع إنتاج النفط والطلب المحلي القوي والإصلاحات المستمرة.
من جهته، يتوقع البنك الدولي نمواً بنسبة ٣.٦٪ في ٢٠٢٦ للمنطقة يرتفع إلى ٣.٩٪ في ٢٠٢٧. وأشار تقريره الصادر في يناير إلى أن الاقتصاد العالمي يُظهر مرونة أكبر من المتوقع رغم التوترات التجارية وعدم اليقين السياسي.
المملكة العربية السعودية: المرحلة الثالثة من رؤية ٢٠٣٠
تتصدر المملكة العربية السعودية اقتصادات المنطقة بنمو متوقع يبلغ ٤.٥٪ في ٢٠٢٦ وفقاً لتحليل ستاندرد تشارترد، متفوقةً على المعدل العالمي البالغ ٣.٤٪. ويأتي هذا النمو مدفوعاً بزخم مستدام في القطاعين النفطي وغير النفطي.
مشروع نيوم أو البحر الأحمر في السعودية
وأعلن وزير الاقتصاد فيصل الإبراهيم خلال منتدى دافوس أن عام ٢٠٢٦ يمثل بداية "المرحلة الثالثة" من رؤية ٢٠٣٠، مع تحول التركيز من إطلاق الإصلاحات إلى تعظيم أثرها. وأشار إلى أن الاقتصاد غير النفطي يشكل الآن أكثر من ٥٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
وتنتقل بعض نطاقات المشاريع الكبرى إلى القطاع الخاص الذي أصبح "أكثر جاهزية وحماساً للمشاركة" وفقاً للوزير. وتركز المملكة حالياً على استضافة الفعاليات الدولية الكبرى مثل كأس آسيا ٢٠٢٧ وإكسبو ٢٠٣٠ وكأس العالم ٢٠٣٤.
الإمارات: نمو استثنائي بنسبة ٥٪
تتجه الإمارات لتحقيق نمو بنسبة ٥٪ في ٢٠٢٦ وفقاً لتوقعات البنك الدولي وستاندرد تشارترد، مع توقع البنك المركزي الإماراتي نمواً يصل إلى ٥.٣٪. ويأتي هذا الأداء القوي مدعوماً بازدهار القطاعات غير النفطية وتوسع التجارة والطلب المحلي القوي.
ويُتوقع أن تقترب التجارة الخارجية الإماراتية من تريليون دولار في ٢٠٢٦، مع استمرار نمو قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والعقارات. وتحافظ البلاد على فوائض مالية مزدوجة مع تضخم منخفض يُقدر بـ ١.٨٪.
وبدأ تطبيق قوانين جديدة في ٢٠٢٦ تشمل رفع الحد الأدنى لأجور المواطنين الإماراتيين في القطاع الخاص إلى ٦,٠٠٠ درهم شهرياً، وإلزام المؤثرين على وسائل التواصل بالحصول على تصاريح إعلانية.
عُمان: إشادة دولية بزخم الإصلاحات
أشاد صندوق النقد الدولي بتقدم الإصلاحات في سلطنة عُمان ومرونة اقتصادها في إطار رؤية ٢٠٤٠. وبلغ النمو ١.٦٪ في ٢٠٢٤ وتسارع إلى ٢.٣٪ في النصف الأول من ٢٠٢٥، مدفوعاً بقطاع غير نفطي قوي نما بنسبة ٣.٥٪ ليشمل البناء والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية.
وحافظت الميزانية على فائض بنسبة ٠.٧٪ من الناتج المحلي رغم انخفاض أسعار النفط، مع استقرار الدين الحكومي عند ٣٦.١٪ من الناتج المحلي. ووجد تقييم القطاع المالي أن البنوك العُمانية سليمة ومُرسملة جيداً.
قناة السويس: عودة تدريجية للحياة
بعد عامين من شبه الإغلاق بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، تشهد قناة السويس عودة تدريجية لحركة الملاحة. وعبرت سفينة CMA CGM Jacques Saade العملاقة (٢٣,٠٠٠ حاوية) القناة في ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥، لتصبح أول سفينة فائقة الحجم تعبر منذ ٢٠٢٣.
سفينة حاويات تعبر قناة السويس
وأعلنت شركة ميرسك الدنماركية عودتها للقناة عبر خط خدمتها بين الهند والولايات المتحدة، بينما استأنفت CMA CGM خدمتها المنتظمة. وتوقع رئيس هيئة القناة الفريق أسامة ربيع تحسناً تدريجياً في معدلات الملاحة لتصل إلى مستوياتها الطبيعية في النصف الثاني من ٢٠٢٦.
وتُعد هذه العودة شريان حياة مالياً لمصر التي شهدت انخفاض إيرادات القناة من ١٠.٢ مليار دولار في ٢٠٢٣ إلى نحو ٤.١ مليار دولار في ٢٠٢٥. ويتوقع المسؤولون عودة الإيرادات إلى ١٠ مليارات دولار بحلول نهاية ٢٠٢٦ مع استئناف السفن العملاقة عبورها.
إيران: انهيار اقتصادي وسط الاحتجاجات
في المقابل، تواجه إيران أزمة اقتصادية حادة أشعلت فتيل الاحتجاجات الأخيرة. وهبط الريال الإيراني إلى مستوى قياسي متدنٍ بلغ ١.٤ مليون ريال للدولار الواحد في أواخر ديسمبر، قبل أن يتحسن قليلاً إلى نحو ١.٣٥ مليون.
وحذر المحللون الاقتصاديون من أن السيطرة على التضخم هي المفتاح لاستقرار سعر الصرف، مشيرين إلى ضغوط إضافية من ارتفاع أسعار الوقود ومخاطر انخفاض صادرات النفط بسبب العقوبات. ويبقى الاقتصاد الإيراني في حالة اضطراب شديد مع استمرار انقطاع الإنترنت والقمع الأمني.
أسعار النفط والتوقعات
استقرت أسعار النفط بعد أكبر انخفاض في ستة أيام منذ يونيو، مع تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية بعد تأجيل ترامب للضربة العسكرية على إيران. ويتداول خام برنت قرب ٦٤ دولاراً للبرميل وغرب تكساس الوسيط حول ٥٩ دولاراً.
ويُقدر صندوق النقد الدولي أن السعودية تحتاج إلى سعر نفط يقارب ٩١ دولاراً للبرميل لتحقيق توازن الميزانية، بينما يتوقع المتداولون أسعاراً أقل من ٧٠ دولاراً. وقد يؤدي ذلك إلى عجز في الميزانية السعودية يقارب ٤٪ من الناتج المحلي في ٢٠٢٦.
الخلاصة
يدخل الشرق الأوسط عام ٢٠٢٦ بمشهد اقتصادي متباين: نمو قوي في دول الخليج مدعوم بالتنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية، وأزمة عميقة في إيران، وبوادر تعافٍ لقناة السويس. وتبقى التوترات الجيوسياسية، لا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، عامل خطر رئيسياً قد يؤثر على أسعار النفط وسلاسل التوريد العالمية.