تحقيق معمّق في واقع خامس أكبر اقتصاد عربي ومستقبله وسط تحديات النفط والمياه والبطالة والفساد

-


يقف العراق اليوم على مفترق طرق تاريخي. فاقتصاده الذي يُعدّ خامس أكبر اقتصاد في العالم العربي بناتج محلي إجمالي يقارب ٦٩٠ مليار دولار (بتعادل القوة الشرائية)، يظل أسيراً لتبعية مفرطة للنفط الذي يُشكّل ٩١٪ من إيرادات الموازنة الاتحادية، و٤٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وما يقارب ٩٩٪ من الصادرات. وبينما تُبشّر مشاريع البنية التحتية الضخمة كـ"طريق التنمية" البالغة تكلفته ١٧ مليار دولار، ومشروع "توتال إنرجيز" للغاز المتكامل بقيمة ٢٧ مليار دولار، بتحولات اقتصادية واعدة، يواجه البلد تحديات بنيوية حادة: عجز مالي متفاقم، وشُح مائي كارثي، وبطالة شبابية مرتفعة، وقطاع مصرفي متخلف، وعدم استقرار سياسي في خضم أزمة تشكيل الحكومة.

يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً لا يتجاوز ٠,٥٪ في عام ٢٠٢٦، فيما تتراوح التقديرات الأخرى بين ١,٥٪ و٥,١٪ بحسب مستويات إنتاج النفط وقرارات تحالف أوبك+. ودون إصلاحات جوهرية، يُنذر المسار الحالي بأزمة مالية حقيقية، مع توقعات بارتفاع الدين العام إلى ما يزيد عن ٥٥-٦٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول ٢٠٢٧.


أولاً: المشهد الاقتصادي الكلي



الموقع الاقتصادي الراهن

بلغ الناتج المحلي الإجمالي للعراق في عام ٢٠٢٤ نحو ٢٧٩,٦ مليار دولار بالأسعار الجارية، فيما يُقدّر بتعادل القوة الشرائية بحوالي ٦٩٠ مليار دولار في ٢٠٢٥، ما يجعله الاقتصاد الحادي والخمسين عالمياً، والخامس عربياً، والسابع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يبلغ عدد سكان العراق نحو ٤٥,٥ مليون نسمة، بمعدل نمو سنوي يقارب المليون نسمة، بينما يظل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى متواضع يقارب ٢٧٠٠ دولار — من بين الأدنى في منطقة الشرق الأوسط.

يُصنّف الصندوق الدولي للتنمية الزراعية العراق باعتباره بلداً نفطياً من ذوي الدخل المتوسط الأعلى، ويُعدّ من بين أكبر خمس دول عربية من حيث احتياطيات الذهب، والثلاثين عالمياً. غير أن هذه المؤشرات الإجمالية تُخفي واقعاً اجتماعياً مغايراً، إذ يعيش نحو ٧٨٪ من السكان في مستويات معيشية تتراوح بين المنخفضة والمتوسطة، فيما لا تتجاوز نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل ١٢٪.


توقعات النمو للفترة ٢٠٢٥-٢٠٢٧

تتباين توقعات النمو بشكل لافت بين المؤسسات الدولية. يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً محدوداً بنسبة ٠,٥٪ في ٢٠٢٦، بينما يرى البنك الدولي إمكانية تحقيق نمو بمتوسط ٥,١٪ خلال الفترة ٢٠٢٦-٢٠٢٧ مع تخفيف قيود أوبك+ على الإنتاج. من جهتها، تتوقع وكالة فيتش نمواً بنسبة ١,٥٪ في ٢٠٢٥ و١,٦٪ في ٢٠٢٦، فيما ترجّح وكالة كوفاس انكماشاً طفيفاً في ٢٠٢٥ يعقبه تعافٍ تدريجي غير متساوٍ في ٢٠٢٦.

يعكس هذا التباين الواسع حالة عدم اليقين المحيطة بعدة عوامل حاسمة: قرارات أوبك+ بشأن حصص الإنتاج، ومستويات أسعار النفط العالمية، ووتيرة تنفيذ مشاريع البنية التحتية، ومدى الاستقرار السياسي خلال فترة تشكيل الحكومة الجديدة.


المؤشرات الاقتصادية الرئيسية

يُسجّل التضخم مستويات منخفضة ومستقرة عند نحو ٤٪، مدعوماً باستقرار سعر الصرف الرسمي. غير أن ميزان الحساب الجاري يتجه نحو عجز يُتوقع أن يبلغ ٤,٣-٤,٦٪ من الناتج المحلي الإجمالي في ٢٠٢٥-٢٠٢٦، ما يُنذر بتراجع ملموس في احتياطيات النقد الأجنبي. ويُحافظ البنك المركزي العراقي على سعر الصرف الرسمي عند نحو ١٣١٠ دينار للدولار، مع تقلّص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.


ثانياً: التبعية النفطية — كعب أخيل الاقتصاد العراقي



الواقع المرير بالأرقام

يُجسّد الاقتصاد العراقي نموذج الدولة الريعية بامتياز. فالنفط يُشكّل ٩١٪ من إيرادات الموازنة الاتحادية، و٤٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو ٩٩٪ من إجمالي الصادرات، و٩٥٪ من مجموع إيرادات الحكومة. هذه التبعية المفرطة تجعل الاقتصاد برمته رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية وقرارات منظمة أوبك.

يمتلك العراق خامس أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، بما يقارب ١٤٧ مليار برميل. وهو ثاني أكبر منتج في أوبك بعد المملكة العربية السعودية، وثالث أكبر مُصدّر للنفط عالمياً. ورغم هذه الثروة الهائلة، فإن عقوداً من الحروب — الحرب العراقية الإيرانية (١٩٨٠-١٩٨٨)، وحرب الخليج (١٩٩١)، والغزو الأمريكي (٢٠٠٣)، والحرب ضد داعش — والعقوبات الدولية، تركت البنية التحتية للصناعة النفطية في حالة متردية.


قيود أوبك+ وتداعياتها

يواجه العراق قيوداً إنتاجية صارمة بموجب اتفاقيات أوبك+. فطاقته الإنتاجية الطبيعية تبلغ نحو ٤,٦ مليون برميل يومياً، غير أن إنتاجه الفعلي الحالي لا يتجاوز ٤,٠٣ مليون برميل يومياً — أي دون حصته المقررة البالغة ٤,٨٦ مليون برميل — وذلك للتعويض عن تجاوزات سابقة في الإنتاج. وفي عام ٢٠٢٤، انخفض الإنتاج بنسبة ٦٪ إلى ٣,٨ مليون برميل يومياً.

لهذه القيود عواقب مالية وخيمة. فإيرادات صادرات النفط الخام يُتوقع أن تنخفض بنحو ١١ مليار دولار في ٢٠٢٥ لتصل إلى ٨٤ مليار دولار — أدنى مستوى في أربع سنوات — مقارنة بإيرادات قياسية بلغت ١١٦ مليار دولار في ٢٠٢٢ حين ارتفعت الأسعار إثر الغزو الروسي لأوكرانيا.

يقول الاقتصادي صالح الهاشمي: "العراق من أضعف الدول نفوذاً داخل أوبك، إذ يفتقر إلى السيطرة الكاملة على تهريب النفط. هذا الوضع يجعله من أكثر الدول تأثراً بتخفيضات الإنتاج، ما ينعكس مباشرة على إيراداته ويزيد من عجز الموازنة".


أزمة نفط كردستان

يُضاف إلى ذلك النزاع المستمر بين بغداد وحكومة إقليم كردستان حول صادرات النفط وتوزيع العائدات. فخط أنابيب كركوك-جيهان التركي متوقف منذ ٢٠٢٣، رغم إقرار البرلمان في فبراير ٢٠٢٥ تعديلاً للموازنة يُلزم الحكومة الاتحادية بتعويض منتجي النفط في كردستان. لكن الحل الشامل لا يزال بعيد المنال.


ثالثاً: الأزمة المالية — إنفاق يفوق الطاقة



انفجار العجز

تتدهور الأوضاع المالية العراقية بشكل حاد. فبعد عجز بلغ ٢,٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي في ٢٠٢٤، يُتوقع أن يقفز العجز إلى ٩,٧٪ في ٢٠٢٥، وأن يبلغ متوسطه ٨,٨٪ خلال ٢٠٢٦-٢٠٢٧ وفق تقديرات وكالة فيتش. وفي سيناريو انخفاض أسعار النفط إلى ٥٧ دولاراً للبرميل، قد يتسع العجز إلى ١١,٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

أقرّت الحكومة في ٢٠٢٣ موازنة قياسية بقيمة ١٥٣ مليار دولار تضمنت توظيفاً حكومياً واسعاً، لكن إيرادات النفط المتراجعة لا تستطيع تحمّل هذا المستوى من الإنفاق. ويدخل العراق عام ٢٠٢٦ بحكومة تصريف أعمال ودون موازنة معتمدة، في ظل أزمة تشكيل الحكومة الجديدة.


هيكل الإنفاق غير المستدام

يهيمن على الإنفاق الحكومي بندان رئيسيان: الرواتب والمعاشات التي تستهلك نحو ٤٨ مليار دولار سنوياً، أي ما يقارب ٤٠٪ من الموازنة الاتحادية. ويعمل في القطاع العام أكثر من ٣,٧ مليون موظف، وهي من أعلى النسب عالمياً. في المقابل، يتراجع الإنفاق الرأسمالي بسبب القيود المالية.

حذّر ديوان الرقابة المالية الاتحادية من أن هذا المسار "غير قابل للاستمرار". فكتلة الرواتب تلتهم حصة متزايدة من عائدات النفط، ولا تترك مجالاً للاستثمار في البنية التحتية أو تطوير القطاعات غير النفطية.


تصاعد الدين العام

يتجه الدين العام نحو مستويات مقلقة. فبعد أن بلغ نحو ٥٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي في ٢٠٢٤، يُتوقع أن يرتفع إلى ٥٤-٥٥٪ بنهاية ٢٠٢٥، وإلى ٥٩,٥-٦٢,٥٪ بحلول ٢٠٢٧. هذا المسار التصاعدي يُنذر بأزمة استدامة مالية في غياب إصلاحات حقيقية.

يُحذّر صندوق النقد الدولي من "مخاطر جسيمة للتعثر المالي" دون إجراءات تصحيحية. وقد راكم العراق فعلاً متأخرات في ٢٠٢٤ نتيجة قيود التمويل الناشئة.



رابعاً: مشاريع البنية التحتية العملاقة — بوابة الأمل



طريق التنمية (١٧-٢٠ مليار دولار)

يُمثّل مشروع طريق التنمية أكثر مشاريع البنية التحتية طموحاً في تاريخ العراق الحديث، ويهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز عبور إقليمي يربط آسيا بأوروبا. يتكون المشروع من شبكة طرق سريعة وسكك حديدية بطول ١٢٠٠ كيلومتر، تمتد من ميناء الفاو الكبير في البصرة جنوباً إلى معبر فيشخابور على الحدود التركية شمالاً.

في قلب المشروع يقع ميناء الفاو الكبير، المُصمّم ليصبح أكبر ميناء في الشرق الأوسط بأكثر من ١٠٠ رصيف وطاقة استيعابية تتجاوز ٥٥ مليون طن سنوياً. يقع الميناء عند مصب شط العرب حيث يلتقي دجلة والفرات قبل أن يصبّا في الخليج العربي، في موقع استراتيجي يجعله قناة حيوية تربط الخليج بالبحر المتوسط.

في ديسمبر ٢٠٢٥، افتتح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أول قطاع من المشروع بطول ٦٣ كيلومتراً، يربط مدخل ميناء الفاو الكبير بالطريق الدولي في منطقة سفوان بمحافظة البصرة. يتضمن هذا القطاع جسرين رئيسيين بطول ٨٠٠ متر و٤٠٠ متر، ونفقاً مغموراً يعبر قناة خور الزبير.


التقدم المحرز والتحديات

وصلت نسبة إنجاز أعمال تكريك القناة الملاحية للميناء إلى ٩٢٪، بينما بلغت نسبة إنجاز ساحة الحاويات ٩٤٪. كما وافق البنك الدولي في يونيو ٢٠٢٥ على تمويل بقيمة ٩٣٠ مليون دولار لمشروع "توسيع وتحديث السكك الحديدية العراقية" الذي سيُعيد بناء البنية التحتية المتقادمة ويربط ميناء أم قصر بمدينة الموصل شمالاً.

يُتوقع أن يُدرّ المشروع إيرادات سنوية تصل إلى ٤ مليارات دولار من رسوم العبور، ويوفر أكثر من ١٠٠ ألف فرصة عمل مباشرة. كما سيُسهم في تقليص زمن نقل البضائع بين الخليج وأوروبا، ويفتح آفاقاً للتنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط.

غير أن المشروع يواجه تحديات جمّة: الفساد والصراعات الفصائلية على العقود، والمخاوف الأمنية (جماعات مثل حزب العمال الكردستاني والميليشيات)، والتنافس الإقليمي مع ميناء مبارك الكبير الكويتي المجاور، وتحفظات إيران التي ترى في المشروع تهديداً لنفوذها. يُضاف إلى ذلك تحديات التمويل والقدرة على التنفيذ.


مشروع توتال إنرجيز للغاز المتكامل (٢٧ مليار دولار)

يُعدّ هذا المشروع أكبر استثمار أجنبي في العراق منذ عقدين، وقد دخل الآن مرحلة التنفيذ الكامل. يجمع بين أربعة مكونات متكاملة تُجسّد استراتيجية "الطاقات المتعددة":

أولاً: التقاط ومعالجة الغاز المصاحب من خمسة حقول نفطية جنوبية (الرطاوي، غرب القرنة ٢، مجنون، الطوبة، اللحيس) بطاقة ٦٠٠ مليون قدم مكعب يومياً. سيُلغي هذا المكون الحرق الروتيني للغاز — الذي يُصنّف العراق بسببه من أسوأ الدول عالمياً — ويُولّد طاقة كهربائية بقدرة ٣ جيجاواط تكفي لتزويد ١,٥ مليون منزل بالكهرباء.

ثانياً: إعادة تطوير حقل الرطاوي النفطي لرفع إنتاجه من ٦٠ ألف برميل يومياً إلى ١٢٠ ألف برميل في المرحلة الأولى (أوائل ٢٠٢٦)، ثم إلى ٢١٠ آلاف برميل بحلول ٢٠٢٨ مع القضاء على الحرق الروتيني.

ثالثاً: بناء محطة طاقة شمسية بقدرة ١ جيجاواط — الأولى من نوعها في العراق — على مساحة ٢٢٠٠ هكتار، ستُزوّد ٣٥٠ ألف منزل بالكهرباء وتُجنّب انبعاث مليوني طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

رابعاً: مشروع إمداد المياه البحرية المشترك لبناء محطة معالجة قرب ميناء أم قصر بطاقة ٥ ملايين برميل يومياً. ستُضخ المياه المعالجة إلى الحقول النفطية الكبرى للحفاظ على ضغط المكامن، بديلاً عن المياه العذبة المسحوبة حالياً من دجلة والفرات والمياه الجوفية. سيُحرّر هذا ٢٥٠ ألف متر مكعب من المياه العذبة يومياً للري والزراعة.

يتشارك في المشروع: توتال إنرجيز (٤٥٪ - المشغّل)، قطر للطاقة (٢٥٪)، وشركة نفط البصرة (٣٠٪). يُتوقع أن يوفر المشروع ٧-١٠ آلاف فرصة عمل خلال مرحلة البناء، مع بدء الإنتاج الأول في أوائل ٢٠٢٦.

الأهمية الاستراتيجية للمشروع تتجاوز الأرقام: فهو يُقلّص اعتماد العراق على واردات الغاز الإيراني (٨ دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية) مقابل تكلفة إنتاج محلية لا تتجاوز ١,٥-٢ دولار. كما يُعالج أزمة انقطاع الكهرباء المزمنة، ويُسهم في خفض انبعاثات الكربون بنحو ٦ ملايين طن سنوياً من الحقول الثلاثة الرئيسية.



خامساً: أزمة التوظيف — قنبلة ديموغرافية موقوتة



البطالة الهيكلية

يواجه العراق تحدياً ديموغرافياً خطيراً. تبلغ القوى العاملة نحو ١٥ مليون شخص، لكن معدل البطالة بين الشباب (١٥-٢٤ عاماً) يتجاوز ٣٢٪، ويرتفع إلى أكثر من ٣٦٪ بين الفئة العمرية ١٨-٣٥ عاماً. في بعض المحافظات الجنوبية كالمثنى وذي قار والبصرة، تتجاوز النسبة ٥٠٪.

والأخطر من ذلك أن أكثر من ٤٠٠ ألف شاب يدخلون سوق العمل سنوياً، بينما لا يخلق القطاع الخاص سوى أقل من ٥٠ ألف فرصة عمل رسمية في العام — فجوة هائلة تتسع باطراد.


اختلال التوازن بين القطاعين العام والخاص

يعمل نحو ٤٢٪ من القوى العاملة في القطاع العام، وهي نسبة من بين الأعلى في الشرق الأوسط. يضم الجهاز الحكومي أكثر من ٣,٧ مليون موظف، نتيجة عقود من السياسات الاقتصادية المتمحورة حول الدولة منذ حقبة البعث، والتي تعززت خلال فترة إعادة الإعمار بعد ٢٠٠٣.

يقول الاقتصادي باسم جميل: "هذا النظام يُظهر علامات إرهاق واضحة. التزامات الرواتب والمعاشات تجاوزت ٤٨ مليار دولار سنوياً، أي قرابة ٤٠٪ من الموازنة الاتحادية. هذا المستوى من الإنفاق غير قابل للاستمرار".

تُعاني الشابة رُسُل فالح، خريجة الهندسة الميكانيكية من كربلاء البالغة من العمر ٢٥ عاماً، من البحث عن عمل منذ عامين. تقول: "أُرسل سيرتي الذاتية إلى كل مكان — الوزارات، الشركات الخاصة، المنظمات غير الحكومية — لكن دون جدوى. حتى التعليم العالي لم يفتح لنا أبواب العمل اللائق".


مشكلات بنيوية عميقة

تتشابك عدة عوامل في تعميق أزمة التوظيف: الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وضعف القطاع الخاص وهيمنة الاقتصاد غير الرسمي، والحواجز الثقافية والاجتماعية أمام عمل المرأة (محدودية رعاية الأطفال، قيود التنقل)، والتفاوت الجغرافي الحاد حيث تعاني المحافظات الجنوبية أكثر من غيرها.

يُحذّر المدافع عن حقوق العمال إحسان الدنبوس من أن "غياب فرص العمل الحقيقية يُهدد الاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد". ويدعو إلى تطبيق أصرم لقوانين العمل، وتنظيم أفضل للعمالة الأجنبية، ومنح النقابات صلاحيات أوسع لحماية حقوق العمال.

وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، يحتاج العراق إلى نمو اقتصادي مستدام بنسبة ٥,٥٪ سنوياً حتى ٢٠٣٣ لخفض البطالة إلى خانة الآحاد — وهو معدل يفوق متوسط النمو المحقق منذ ٢٠٠٣ (٤,٣٪). تستهدف خطة التنمية الوطنية خفض البطالة من ١٦٪ إلى ١٠٪، لكن الإصلاحات الهيكلية لا تزال بطيئة.


سادساً: القطاع المصرفي — الحلقة المفقودة



الوضع الراهن

يظل القطاع المصرفي العراقي متخلفاً وغير قادر على دعم نمو القطاع الخاص. ارتفع الشمول المالي من أقل من ١٠٪ في ٢٠١٨-٢٠١٩ إلى نحو ٤٠٪ حالياً، ووصل عدد الحسابات المصرفية إلى ٢٢-٢٣ مليون حساب، ونقاط البيع الإلكترونية إلى ٦٠-٧٠ ألف جهاز. لكن نمو الائتمان للقطاع الخاص يظل ضعيفاً.


مبادرات الإصلاح

تعاقد البنك المركزي العراقي مع شركة "أوليفر وايمان" الاستشارية لتنفيذ إصلاح شامل للقطاع المصرفي على مدى ٢-٣ سنوات. تشمل الخطة: إعادة هيكلة المصارف الحكومية (الرافدين، الرشيد، وغيرها)، ومطالبة المصارف الخاصة بالامتثال للمعايير الدولية أو الخروج من السوق أو الاندماج، وتطوير مشروع "الدينار الرقمي" الذي لا يزال قيد التنفيذ ويتطلب بنية تحتية متينة قبل إطلاقه.

اعتباراً من يونيو ٢٠٢٥، أصبحت جميع المدفوعات الحكومية إلكترونية مع حظر المدفوعات النقدية في المؤسسات الحكومية. وأطلقت الحكومة حملات توعية لتشجيع المواطنين على تبني أنظمة الدفع الإلكتروني والابتعاد عن ثقافة التعامل النقدي التقليدية.


قيود معاملات الدولار

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية قيوداً على معاملات الدولار عبر بعض المصارف العراقية بسبب مخاوف من غسيل الأموال والتحايل على العقوبات المفروضة على إيران. أصبح تمويل التجارة يُعالج الآن عبر المصارف التجارية من خلال علاقات المصارف المراسلة، ما أسهم في تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.

يؤكد محافظ البنك المركزي علي محسن العلاق التزام البنك باستقرار سعر الصرف، محذراً من أن خفض قيمة الدينار سيضر بالفئات ذات الدخل المحدود ويُقوّض الثقة بالعملة الوطنية. أما مشروع "حذف الأصفار" (إعادة تسمية العملة) فلا يزال قيد الدراسة ويتطلب بنية تحتية راسخة قبل التنفيذ.



سابعاً: أزمة المياه — تهديد وجودي



حجم الكارثة

يمر العراق بأسوأ موجة جفاف منذ أكثر من ثمانين عاماً. انهارت احتياطيات المياه من ٦٠ مليار متر مكعب في ٢٠٢٠ إلى أقل من ٤ مليارات اليوم، وبعض التقديرات تشير إلى تراجعها من ١٨ مليار متر مكعب العام الماضي إلى نحو ١٠ مليارات حالياً. انخفضت مستويات المياه في بحيرة الثرثار — أكبر خزان مائي في العراق — بشكل حاد، بينما تراجع مخزون بحيرة الحبانية إلى ٥٥٥ مليون متر مكعب من أصل طاقة استيعابية تبلغ ٣,٣ مليار متر مكعب.


الأسباب المتشابكة

تتضافر عدة عوامل في صنع هذه الكارثة: التغير المناخي الذي أدى إلى خمس سنوات متتالية من الجفاف مع ارتفاع درجات الحرارة بمعدل ٠,٥ درجة مئوية كل عقد وتراجع معدلات هطول الأمطار. ويُتوقع ارتفاع الحرارة بما يصل إلى ٥,٦ درجة مئوية بحلول نهاية القرن.

تُضاف إلى ذلك السدود التركية والإيرانية التي خفضت حصة العراق إلى أقل من ٣٥٪ من حقوقه التاريخية. مشروع جنوب شرق الأناضول التركي (غاب)، بما فيه سد أتاتورك الضخم على الفرات وسد إليسو على دجلة، أحكم قبضة أنقرة على منابع النهرين. كما حوّلت إيران مياه روافد رئيسية كنهر سيروان (ديالى) والزاب الأصغر نحو مشاريعها الزراعية.

ويُفاقم سوء الإدارة المحلية الوضع، إذ لا تتجاوز كفاءة شبكات الري ٦٠٪ مع خسائر هائلة من الري بالغمر والقنوات غير المبطنة. كما أعاق الفساد وضعف الرقابة مشاريع إعادة التأهيل الممولة من الجهات المانحة.


التداعيات الكارثية

على صعيد الزراعة، خفضت وزارة الزراعة المساحة المسموح بزراعتها بالقمح المروي من الأنهار إلى النصف لموسم ٢٠٢٥-٢٠٢٦، وفرضت استخدام أنظمة الري الحديثة كالتنقيط والرش. بعد ثلاث سنوات من الفائض، يواجه العراق تراجعاً في إنتاج القمح بنسبة ٣٠-٥٠٪ وحاجة لاستيراد ٢,٤ مليون طن.

على صعيد النزوح، هُجّر نحو ١٧٠ ألف شخص من المناطق الوسطى والجنوبية بسبب عوامل مناخية. يهجر المزارعون وصيادو الأسماك ومربّو الجاموس أراضيهم وحياتهم التقليدية نحو المدن.

على صعيد الصحة العامة، تشهد البصرة — موطن ٣,٥ مليون نسمة والأكثر عرضة لشح المياه — ارتفاعاً حاداً في الأمراض المرتبطة بالمياه. وصلت نسبة الملوحة في شط العرب إلى ٢٩ ألف جزء في المليون مقارنة بـ ٢٦٠٠ جزء في العام السابق، ما يجعل المياه غير صالحة للشرب أو الزراعة.

يقول حسن ريكان، أحد سكان البصرة: "أضطر للاستيقاظ باكراً وترك عملي والوقوف في طوابير طويلة لجلب المياه إلى المنزل. في كثير من الأحيان نُقنّن الحصص بين الماشية والاستخدام المنزلي. مياه البحر القريبة منا ملوثة وتُسبب أمراضاً جلدية".


إجراءات المواجهة

أعلنت الحكومة عن خطط لبناء ١٠ سدود لحصاد مياه الأمطار في المناطق الصحراوية، ومنحت عقد بناء محطة تحلية مياه البحر في البصرة لمشروع عراقي-صيني مشترك. كما سيُحرّر مشروع توتال إنرجيز للمياه البحرية ٢٥٠ ألف متر مكعب من المياه العذبة يومياً.

لكن معهد تشاتام هاوس يُحذّر من أن مشاريع مماثلة أُعيقت سابقاً بفعل الفساد وضعف الرقابة، ما يُثير تساؤلات حول قدرتها على تقديم حلول دائمة.


الأفق المناخي القاتم

بحلول ٢٠٤٠-٢٠٥٠، يتوقع مؤشر الإجهاد المائي أن يصل العراق إلى درجة ٤,٦ من ٥ في الشدة. قد تصبح أجزاء واسعة من البلاد غير صالحة للسكن بسبب الحرارة الشديدة ونقص المياه والتصحر. يُصنّف العراق حالياً في المرتبة الـ ١٢٦ من ١٨١ دولة على مؤشر الهشاشة البيئية، وهو من بين أكثر خمس دول هشاشة بيئياً في العالم.



ثامناً: الاقتصاد السياسي — تحديات الحوكمة



أزمة تشكيل الحكومة

يدخل العراق عام ٢٠٢٦ بحكومة تصريف أعمال ودون موازنة، في أعقاب انتخابات نوفمبر ٢٠٢٥. أثار ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من قبل الإطار التنسيقي موجة من القلق: تحذيرات أمريكية من حكومة "موالية لإيران"، ومخاوف بشأن زخم الإصلاحات، وتأخر في إقرار الموازنة يُؤثر على تنفيذ الاستثمارات.

حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من تشكيل حكومة موالية لإيران، معرباً في اتصال مع السوداني عن أمله في أن تجعل الحكومة المقبلة العراق "قوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط". في المقابل، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن تشكيل الحكومة "شأن داخلي يخص الشعب العراقي فقط".


الفساد المستشري

يُصنّف العراق باستمرار من قبل منظمة الشفافية الدولية وجهات أخرى بين أكثر الدول فساداً في العالم. تفشل الوزارات في التنسيق، ويُحدد نظام المحاصصة توزيع الاستثمارات، وتتعثر مشاريع البنية التحتية بفعل الرشوة والمحسوبية. تُهيمن فصائل موالية لإيران على الموانئ الجنوبية والجمارك، وتُحوّل مليارات الدولارات بعيداً عن خزينة الدولة.


نفوذ الميليشيات

تعمل جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة، ما يؤثر على منح العقود (كما في النزاعات حول ميناء الفاو)، وإيرادات الجمارك، والبيئة الأمنية للمستثمرين، وقدرة العراق على رسم سياسة خارجية مستقلة. حذّر قيادي في كتائب حزب الله العراقية من استهداف القواعد الأمريكية في العراق والدول المجاورة "بالصواريخ والطائرات المسيّرة" في حال شنّت واشنطن هجوماً على إيران.


التوترات مع كردستان

تستمر النزاعات بين بغداد وأربيل حول تقاسم عائدات النفط وتخصيصات الموازنة. كما تعاني حكومة إقليم كردستان من جمود سياسي منذ انتخابات ٢٠٢٤، ما يُعقّد المشهد السياسي العراقي برمته، خاصة فيما يتعلق بالملفات العالقة كالنفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها.


تاسعاً: العلاقات الاقتصادية الدولية



العلاقات مع الولايات المتحدة

اكتمل انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد في يناير ٢٠٢٦، لكن التعاون الاقتصادي والأمني مستمر. تُراقب واشنطن عن كثب معاملات الدولار والامتثال للعقوبات. وقد وقّعت شركات أمريكية كبرى كإكسون موبيل وشيفرون وكي بي آر صفقات طاقة كبيرة مع بغداد في ٢٠٢٥.


النفوذ الإيراني

يعتمد العراق على إيران في واردات الغاز والكهرباء (الخاضعة لإعفاءات من العقوبات الأمريكية)، بينما تمارس طهران نفوذاً سياسياً واسعاً عبر أحزاب الإطار التنسيقي وشبكات الميليشيات. يجعل هذا الاعتماد العراق عرضة لضغوط العقوبات الأمريكية.


التكامل الإقليمي

تتوسع الشراكات الإقليمية: تعاون مع تركيا على طريق التنمية، واستثمارات قطرية (قطر للطاقة في مشروع توتال)، واهتمام إماراتي بالبنية التحتية، وتعاون سعودي في قطاع الأدوية. لكن دول الخليج تتوخى الحذر إزاء عدم الاستقرار.


المؤسسات المالية الدولية

وافق صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة ٥,٣٤ مليار دولار، مع تأكيد مشاورات المادة الرابعة لعام ٢٠٢٥ على ضرورة التعديل المالي. ووافق البنك الدولي على ٩٣٠ مليون دولار لمشروع السكك الحديدية ضمن شراكة تنموية شاملة. أنهت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ولايتها في ديسمبر ٢٠٢٥، مع توقيع اتفاقية تعاون إنمائي جديدة مدتها خمس سنوات.



عاشراً: السيناريوهات والآفاق المستقبلية



السيناريو الأساسي (الأكثر ترجيحاً)

تعافٍ تدريجي بنمو يتراوح بين ١,٥-٢٪ في ٢٠٢٦، مع بقاء العجز المالي مرتفعاً (٨-١٠٪ من الناتج المحلي). تتقدم مشاريع البنية التحتية لكن تواجه تأخيرات. تتفاقم أزمة المياه دون تدخل جذري. يحدّ عدم الاستقرار السياسي من وتيرة الإصلاحات. يظل النفط مهيمناً حتى ٢٠٣٠.


السيناريو التفاؤلي

زيادة حصص أوبك+ ترفع الإنتاج إلى أكثر من ٤,٥ مليون برميل يومياً. استقرار أسعار النفط عند ٧٠ دولاراً أو أكثر للبرميل. تنفيذ مشاريع البنية التحتية وفق الجدول الزمني. إصلاحات مصرفية تجذب الاستثمار الخاص. تشكيل حكومة سريع بتوجه إصلاحي. في هذا السيناريو، قد يصل النمو إلى ٤-٥٪.


السيناريو التشاؤمي

انخفاض أسعار النفط إلى ٥٥-٥٧ دولاراً للبرميل. انفجار العجز المالي إلى ١١,٥٪ من الناتج المحلي. تسارع تراكم المتأخرات. أزمة مياه تتحول إلى طوارئ أمن غذائي. استمرار الفراغ الحكومي. تأثر العراق مباشرة بصراع إقليمي (أمريكي-إيراني). ضغوط متزايدة لخفض قيمة العملة.


الحادي عشر: توصيات المحللين الدوليين



الإصلاح المالي (صندوق النقد والبنك الدوليان)

خفض تدريجي لفاتورة الرواتب الحكومية، وتطبيق حساب الخزانة الموحد، وتعزيز إدارة الإيرادات والجمارك، ووضع استراتيجية متوسطة المدى لإدارة الدين، وإنشاء صندوق استقرار/احتياطي مالي.


التنويع الاقتصادي

تسريع تنفيذ طريق التنمية ومشروع توتال، وتحسين بيئة الأعمال للقطاع الخاص، وإصلاح سوق العمل والتدريب المهني، وتطوير القطاعات غير النفطية (الزراعة، السياحة، الخدمات).


الحوكمة

إنفاذ مكافحة الفساد، وتعزيز القدرات المؤسسية، والتنسيق بين الوزارات في ملفي المياه والبنية التحتية، وتجريد القرار الاقتصادي من التسييس.


إدارة المياه

التفاوض على اتفاقيات ملزمة للمياه العابرة للحدود مع تركيا وإيران، والاستثمار في أنظمة الري الموفرة للمياه، وتحديث البنية التحتية للتوزيع، وتطبيق إدارة الطلب.


خاتمة


يُقدّم الاقتصاد العراقي في ٢٠٢٦ دراسة في التناقضات. يمتلك البلد إمكانات هائلة: احتياطيات نفطية ضخمة، وموقع جغرافي استراتيجي، وسكان شباب، ومشاريع عملاقة قد تُحوّل بنيته الاقتصادية. لكنه يظل مكبّلاً بالتبعية النفطية، والانفلات المالي، وإخفاقات الحوكمة، وأزمة مناخية/مائية متسارعة تُهدد صلاحية أجزاء من البلاد للحياة.

الأشهر الاثنا عشر إلى الأربعة والعشرون المقبلة حاسمة. إذا حُلّت أزمة تشكيل الحكومة بسرعة نسبية، وحافظت مشاريع البنية التحتية على زخمها، وبدأت الإصلاحات المالية فعلياً، فقد يخرج العراق على مسار نحو التنويع والنمو المستدام. أما إذا استمر الشلل السياسي، وانهارت أسعار النفط، أو تحولت أزمة المياه إلى كارثة إنسانية، فإن البلد يواجه ضائقة مالية حقيقية وعدم استقرار اجتماعي.

يتوقف المسار في نهاية المطاف على خيارات سياسية: هل يُعطي قادة العراق الأولوية للإصلاح المؤسسي والتنمية طويلة المدى على حساب المحاصصة قصيرة المدى والمصالح الفئوية؟ التاريخ يدعو إلى الحذر، لكن حجم الاستثمارات الجارية والانخراط الدولي يُقدّم أسباباً لتفاؤل حذر — إن ارتقت القيادة إلى مستوى التحدي.

كما قال أحد المحللين: "لن يُفلس أي محلل للشرق الأوسط بالتنبؤ بالأسوأ". لكن العراق — بثرواته وموقعه وشعبه — يستحق فرصة أفضل. السؤال: هل يغتنمها؟